الحياة تستحق

أدب وفن » دوحة السرد
03 - ربيع الآخر - 1435 هـ| 04 - فبراير - 2014


1

بدأ الغسق وأخذ الظلام ينتشر في الأجواء، ويزيد عتمة الشوارع القاتمة والأكواخ الصغيرة ذات الأسقف المهترئة في حي الفقراء.

 

كان الرجال عائدين من يوم عمل شاق، حاملين حافظات الغداء الفارغة التي يُسمع منها تناثر الملاعق الحديدية مع خطاهم المتثاقلة على الوحل الذي يتناثر على ملابسهم القديمة. أما النساء فكن يغسلن الملابس وينشفنها، بينما الأطفال ينهون يومهم بالتسول في الشوارع وعدّ النقود التي جنوها في يوم ماطر كهذا.

 

أصبحت الحياة في حي الفقراء صعبة للغاية مع هطول الأمطار، ورغم أنها كانت تخفف عنهم الحر نوعا ما. وهاهو هناك ذاك الولد - سلام- يرفع فانلته فيظهر بطنه العاري، وقد كان ولدا هزيلا طويلا في العاشرة من العمر. لقد كان قادرا على الوصول إلى المصانع العديدة في الجهة الأخرى من الطريق العام في المدينة، حيث يعمل معظم رجال الحي.

 

كانت والدته تعد وجبات غذائية وتبيعها لعمال المصانع. وكان سلام يساعدها في توصيل هذه الوجبات على عربة حديدية قديمة يجرها، ويقطع بها طرقا رئيسية وعرة وخطرة حتى يصل إلى العمال، ويجني المال مساعدةً لأمه. ليس هذا فحسب، بل كان عليه أيضا أن ينتظرهم حتى ينتهوا من الأكل ثم يجمع الأواني المستخدمة في توزيع الطعام، ومن ثم يعود من الطريق الصعب نفسه.

 

وتقوم والدته "ريشما" بطبخ الوجبات باستخدام عصا خيزران ونبات القيقب، وصفيحات من العلب المعدنية الصدئة ومواد أخرى، وذلك في كوخهم الصغير الواقع فوق جدول جاري.

 

كانوا يسيرون على روتين يومي لايتغير، ولايتأثر بالمطر أو الحرارة المرتفعة أو الرياح الشديدة أو الضباب المعتم أو الروائح الكريهة من المصانع. لكن قلب "سلام" يسعى للمتعة والألوان والأعمال الجديدة، وكلما استغرق في التفكير بالتغيير كلما أنهكه الملل من صعوبة الوضع. كما كان سلام يستمتع باللعب مع الأولاد في الحي، رغم أنهم يضربونه ويلكمونه ويسرقون منه ألعابه المصنوعة من الحجر، كما أصبحت مشاهدة برق عجلات القطار أمرا سخيفا، وأما المدرسة فلم تكن خيارا متاحا منذ البداية.

 

يدرك سلام أن الوضع سيكون أفضل لو كان والده حيا. كان والده يعمل في لحام الحديد، ويتذكر سلام تلك اللحظات وهو يتسلق كتفي والده، ويرتدي قبعته ويتجهان معا لصلاة العيد وهو يعلمه كيف يعمل قارب من الورق، وكيف يرسم أشكال بعض الحيوانات، من خلال استخدام كشاف ضوئي، وتشكيل يديه ليظهر الظل على الحائط بأشكال حيوانات مختلفة. وفي يوم من الأيام حصل حادث على الطريق الرئيسي، ومن بعدها لم ير سلام والده مرة أخرى. وبعد ذلك مافتئت أمه تحاول مقاومة اللصوص الذين يقتحمون بيوت الفقراء في آخر الليل.

 

هم رجال لم يرهم سلام من قبل، يحدقون فيه وفي أمه، ومن ثم يغادرون بعد الخوف الذي أدخلوه في نفوس هؤلاء الفقراء. موقف مخيف ولكن والدته كانت دائما تتظاهر بأنها تتجاهلهم وكأنهم لو يدخلوا منزلها أصلا. وشعر سلام بأن أمه امرأة شجاعة، إلا أنه في أحد الليالي عندما وقف رجل عند عتبة بابهم رأى أمه ترتعش وترمق السكين الموجودة على طاولة المطبخ بنظرة عميقة.

 

وفي الحقيقة فإن ريشما نادرا ماتتحدث مع ابنها سلام، فقد كانت مشغولة بإعداد وجبات العمال طوال الوقت أو النوم في ساعات الراحة اليسيرة. وفي هذه الفترة كثر عدد اللصوص الذين يتجولون في منازل الفقراء في الحي. وعندما سأل سلام أمه عن هؤلاء الرجال نصحته بعدم الحديث عنهم أو النظر إليهم.

 

ومع مرور الوقت أصبح سلام معتادا على رؤية هؤلاء اللصوص. وكعادته يذهب سلام كل يوم لنقل الوجبات التي تعدها والدته، ويجرها في عربته ويقطع بها مسافات في الطرق الوعرة. وبينما هو هناك، يتخيل سلام منظر والده عندما ارتطم بالسيارة وتناثر دمه على الطريق وعلى نوافذ السيارة. ومهما حصل فلن يعود والده للحياة. ولم يستطع سلام العمل في صنعة والده في تلحيم الحديد، ولكنه يريد أن يعيد الابتسامة على وجه والدته. يجتهد سلام بالاستماع إلى نصائحها وكلماتها المعطرة بالراحة والسعادة. ولا يقوم سلام برمي نفسه في أحضان أمه ليتنفس الراحة بعد كل يوم مرهق لأنه يعرف بأنها مثقلة بالهموم خاصة بعد وفاة والده.

 

وفي أحد الأيام وبعد فترة يسيرة من إكماله عامه الرابع عشر كان سلام يقطع الطريق العام عندما شاهد شاحنة تقترب منه بسرعة. أدرك سلام بأن عليه ألا يقطع الطريق حتى تمر الشاحنة لكن شيئا ما في نفسه دفعه لفعل العكس أو يموت مثل والده! وقف فجأة وسط الطريق؛ مما جعل الناس الموجودين يصرخون.

 

لقد كان سلام يتخيل عيني والده اللحام وهي تبرق عاكسة شعاع آلات اللحام كأنها ألعاب نارية. كان سلام يسمع صوت والده وهو يعلمه كيف يعمل قاربا ورقيا بمهارة، ومن ثم يرميه في النهر المجاور فيبحر بعيدا.

 

وبعد ذلك استمر سلام يبحر في مخيلته حتى سمع صوتا حادا وارتطام معدن مندفع بقوة وحرارة منبعثة جعلت جسده يلتف في الهواء كالحلزون. وبعد أن وقع في الأرض شعر سلام بألم في كتفه الأيمن ودوار في رأسه والناس مجتمعون حوله يقولون: "إنها معجزة.. لقد نجا الولد!!" ثم وقف سلام وتنهد تنهيدة يخالطها الانبهار والخوف والحزن.

 

تلك الليلة اقترب سلام من أمه، وعانقها بحرارة، وأدرك أن كل الأشياء الجميلة التي فقدها في هذه الحياة غير مهمة؛ وبغض النظر عن الفقر أو ضيق ذات اليد، فما يملكه الآن أمورا غالية على نفسه يجب الاهتمام بها. حياته تستحق الاستمتاع بها، إنه يستمع إلى أمه وهي تتنفس الصعداء سعيدة بنجاته ثم تحتضنه بين ذراعيها بحنان ورحمة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

المصدر:   storystar.com

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


ترجمة: إيمان سعيد القحطاني

بكالوريوس لغات وترجمة- لغة انجليزية

الدورات العلمية:
دورات متعدده في تحفيظ القرآن وعلومه
دورة مهارات التفكير
دورة التعلم التعاوني
اجتياز اختبار التويك
دورة الجودة

الخبرات العملية:
برنامج المعلمة الصغيرة التابع لإدارة تعليم الرياض لعامي 1422 – 1423هـ .
العمل كمعلمة في مدارس الرواد الأهليه 1329-1430 (2009).
العمل كمدربة لغة انجليزية في شركة الخليج للتدريب مركز دايركت انجلش منذ نوفمبر 2009 وحتى أغسطس 2012.
العمل ضمن هيئة تدريس السنه التحضيرية بجامعة الأميرة نورة لمدة شهر- نوفمبر 2010
العمل كمترجمة في موقع لها أون لاين الالكتروني من سبتمبر 2012- حتى الآن
الإشراف على طالبات كلية اللغات والترجمة- جامعة الأمير سلطان خلال تطبيقهن العملي في موقع لها أون لاين
المشاركة بمحاضرات لغة انجليزية خلال برنامج تميزي للفتيات التابع لمركز لها للتدريب في صيف 1433هـ
المشاركة في برامج أخرى في مركز لها للتدريب

مقالات منشورة:
مقال بعنوان ( معلمتي) في مجلة الملتقى الصادرة من مركز الأمير سلمان الاجتماعي- 1420هـ
مقال بعنوان (إلى مدير الجامعة ) في جريدة الرسالة الصادرة عن جامعة الملك سعود بالرياض.
مقالات عديدة مترجمة في موقع لها الاكتروني
ترجمة عبارات إسلامية وفكرية كتغريدات في حساب موقع لها الرسمي على تويتر


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...