حاجز.. مَعْبَرْ.. الأسماء الفلسطينية سجل الأحداث اليومية بالأرض المحتلة!

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
18 - ربيع أول - 1426 هـ| 27 - ابريل - 2005


1

لا تختلف طرق التأريخ للأحداث والمواقف المهمة، فالكل متفق على أن أفضل طرق التأريخ هي تدوينها في كتب ومجلدات لتكون عنواناً للأجيال القادمة يهتدوا إليه في بحثهم عن الحق، إلا أن الفلسطينيين كعادتهم اعتادوا إبداع طرق جديدة لا تشبهها طريقة لقد اختاروا التأريخ لأحداثهم وما مر بهم من نكبات في أسماء أولادهم كي تبقى حاضرة في أذهانهم على الدوام فتجد من يسمي طفلته فلسطين وآخر يود أن تظل بلدته الأصلية في باله وعلى لسانه فيهدي اسمها لطفلته "يافا" وثالث آثر تسمية أطفاله بأسماء لقادة وزعماء كان لهم الأثر في حياته فيعطي أطفاله أسماءهم كما كانوا ينادون بها "مركبة" أحمد ياسين ..عبدالعزيز الرنتيسي .. ياسر عرفات، والبعض خلد ذكري معاناة بهذه الأسماء كمعبر وحاجز.

"لها أون لاين" في التقرير التالي تعرض لنماذج من الآباء الفلسطينيين الذين آثروا تخليد ذكرى معينة أو اسم معين فأطلقوه على أحد أبنائهم لكي يكون حاضراً في أذهانهم على الدوام.. تابع:

يافا ليس بالاسم الغريب فهو معروفٌ لدى الفلسطينيين ومنقوش في ذاكرتهم تلك المدينة الفلسطينية التي يعود تاريخها إلى مئات السنين، ولكن الغريب أن تجد فتاة في منتصف العشرينيات من عمرها تحمل نفس الاسم، التقيتها في أحد ممرات جامعة الأزهر كانت تناديها إحدى رفيقاتها بهذا الاسم تعجبت لكني أسرعت نحوها أسألها لماذا يافا بالذات؟ احمرت ملامح وجهها خجلاً وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة أظنها ابتسامة غضب نظرت إلى صديقتها ملياً وكأنها تلومها ثم قالت هو كأي اسم آخر وراحت تسألني عن اسمي ولماذا سميت به؟ علمت أنها قد انزعجت من سؤالي ابتسمت ورحت أجيبها بجدية قلت لها إن أبي كان له صديقة عزيزة عليه، بعد وفاتها في حادث مؤلم آثر تسميتي باسمها أراد أن يحيي ذكرها بي خاصة أنها لا تملك عائلة، صمت قليلاً ثم قلت إن لم تريدي التحدث إليَّ فلك ما تريدين، وهنا أخذت كلامي محمل الجد فاعتذرت على تهجمها ثم تابعت حديثها قائلة لقد أطلق أبي باتفاق مع أمي عليَّ هذا الاسم لأن أصولهم من مدينة يافا وبعد أن هجروا منها قسراً في حرب 48 أرادوا أن تبقى بلدتهم الأصلية خالدة في عقولهم وأفئدتهم وتتابع بابتسامة رقيقة لا أخجل من اسمي فهو محبب جداً إلى نفسي يكفيني فخراً أنه يحمل اسم البلدة التي نبتت منها جذور عائلتي.. قالت ذلك ثم ولت بعيداً فكان موعد محاضرتها قد آن، لقد كانت الفتاة يافا جميلة كالمدينة التي تحمل اسمها رقيقة عزيزة النفس تأبى أن يسخر أحداً من اسمها...

فلسطين.. بيسان.. جنين

لم تكن الطالبة الجامعية "يافا" وحدها التي تحمل اسم بلدتها الأصلية فهذه فتاة أخرى تجاوزت السادسة عشر ربيعاً بقليل تدعى "فلسطين" ذلك الوطن المفقود لدى الكثير من الفلسطينيين الذين نزحوا إلى بلاد عربية أخرى منذ عام  1948م، فلسطين فتاة تدرس في الصف الأول الثانوي بمدرسة أم المؤمنين بخان يونس محبوبة من قبل مدرساتها لأنها متفوقة تقهر العجز بقوة إرادتها وصبرها كوطنها فهي تعاني من كف بصر جزئي، كتبها الدراسية تختلف عن كتب زميلاتها فهي أكبر حجماً حتى تتلاءم مع إمكانيات بصرها المحدود، عندما سألتها عن اسمها قالت إنه حينما ولدت كانت خارج البلاد فآثر والدها أن يسميها فلسطين كي لا يغيب عنه الوطن الذي شرد منه لحظة، وتتابع: "أنا سعيدة جداً بهذا الاسم ولا أخفي عليك أنني أستمد منه قوتي وعزمي على مواصلة درب التحدي الذي خضته منذ أن تعرضت لحادث أفقدني جزءاً كبيراً من بصري فأصبحت لا أرى الأشياء إلا إذا كبرت أشعر بهذا الاسم أنني أحمل حلم النصر والحرية.

أما جنين فهي طفلة لا تتجاوز من العمر الثلاث سنوات التقيت بأمها بيسان 35 عاماً استغربت فالأم وطفلتها تحملان أسماء لمدن فلسطينية في الضفة الغربية سألتها بداية عن اسمها بيسان لم تتردد في الإجابة وقالت لقد اختاره لي أبي رحمه الله أراد أن تبقى المدينة التي عاش فيها أجمل أيام طفولته وصباه خالدة في ذاكرته فأسماني بيسان وهنا قلت لماذا إذن جنين؟ اغرورقت عيناها بالدموع وراحت بذاكرتها إلى شهر نيسان من عام 2002 قالت آثرت أن أسمي طفلتي البكر "جنين" تلك المدينة التي عانت ويلات الحرب في انتفاضة الأقصى فراح منها الشهداء أطفالاً وشيوخاً ونساءً وشباناً آثروا الموت على الاستسلام، الذين لكثرتهم وعدم اتساع المقابر لأعدادهم الهائلة دفنوا في مقابر جماعية داخل إحدى المستشفيات بالمدينة، وتتابع الأم بيسان: "في المجزرة التي أحيكت لأهالي المخيم استشهد أخي الأكبر هناك ولأنني وضعت فتاة فآثرت أن أسميها باسم المنطقة التي خدم فيها واستشهد وهو يدافع عن تراب الوطن فكانت "جنين" لتظل ذكرى المجزرة عالقة في خلدي أذكرها كلما أنادي على طفلتي أعلم أن ليس لها ذنب ولكن الاسم جميل جداً وأوقن أنها حين تكبر ستفخر به وستكون سعيدة كما كنت سعيدة وفخورة باسمي...

قادة مازالوا أطفالاً

ليست وحدها أسماء المدن هي التي خلدها الآباء الفلسطينيين وأحيوها بأسماء أطفالهم بل إنهم أيضاً آثروا إحياء أسماء لقادة وزعماء حركوا العالم رغم عجزهم عن الحركة كالشيخ الجليل الشهيد أحمد ياسين وذلك الأسد المقاوم عبدالعزيز الرنتيسي ناهيك عن القائد الراحل ياسر عرفات - رحمهم الله جميعاً-  فهذه أم الياسين لا تتجاوز من العمر 27عاماً وطفلها أتم العام قبل أسابيع معدودة، مروة أم الياسين تقول: "لقد أعجبت بشخصية الشيخ الجليل أحمد ياسين وزاد إيماني بشخصه بعد أن التقيت به في بيته لأسأله العون المساعدة فلم يبخل عليَّ بوقته الثمين وأخذ يستمع إليَّ كما يستمع الأب لشكوى ابنته كنت ذاهبة إليه وقد أغلقت جميع الأبواب في وجهي وخرجت والأمل يغمر ملامح وجهي التعس في ذلك الحين، تصمت تبكي على تلك اللحظات التاريخية في جل حياتها ثم تتابع: "حين علمت بنبأ استشهاده تألمت كثيراً حزنت على فقدان الأمة لإنسان قد تخلو الدنيا من أمثاله وتشير وقت استشهاده كنت أحمل في أحشائي طفلاً، لم يكن قد بقي على ميلادي سوى أيام قليلة تشاورت مع زوجي في أمر تسمية الطفل إن كان صبياً أحمد على اسم الشيخ لكنه فاجأني بقوله لن أسميه أحمد فقط بل سيكون أحمد ياسين اسم الشهيد كاملاً سيكون مركباً، وتستطرد: "لقد أراد الله أن يكون صبياً وكان اسمه أحمد ياسين أتمنى أن يكون كالشيخ الجليل مجاهداً في سبيل الحق محباً لمرضاة الله معيناً لمن يحتاج عونه.

اسمان عصيان على النسيان، فلهما في القلب ما ليس لغيرهما من القادة لكنهما رحلا شهداء عند الله رحلا جسداً وبقيت روح كل منهما عالقة بيننا تأبى الرحيل، عهدهما في الحياة تجدد لكنهما ما زالا في بداية المشوار لم يتجاوز عمراهما غير التسعة أشهر إنه ذلك التوأم الذي رزق به مازن النجار وزوجته من مدينة نابلس لقد آثر الأب أن يحمل طفليه التوأم اسم الياسين والرنتيسي لتظل ذكراهما الطيبة عالقة في أذهانهم كما علقت ملامحهما الطاهرة في قلوبهم، أراد الأبوان تخليد أسماء أبرز قادة حركة المقاومة الإسلامية حماس وإحياءها ونسبها لطفليهما التوأم فكان الطفلان الياسين والرنتيسي وكان الأمل في أن يحملا بعضاً من الصفات الجهادية والثورية التي تقود إلى النصر أو الشهادة في سبيل الله.

كذلك فإن ياسر عرفات كذلك اسم يصعب نسيانه، أعماله من أجل القضية الفلسطينية كثيرة، فكم من أمٍ وضعت جنينها في نفس يوم وفاته وأسمته ياسر عرفات، فهذه الأم قابلتها في أحد المراكز الصحية بغزة كانت قد جاءت لتعالج طفلها "ياسر عرفات" الرئيس الذي ما زال يحبو تقول أم ياسر إنها وضعت طفلها البكر في نفس اليوم الذي توفي فيه الرئيس الفلسطيني الراحل فآثر زوجها أن يسميه باسمه عرفاناً للرئيس الذي ناضل من أجل القضية.

حاجز ومعبر

وجه آخر للأسماء الفلسطينية إنه وجه المعاناة والألم والعذاب الذي لاقته النساء الحوامل على الحواجز التي أقامتها قوات الاحتلال الإسرائيلية ومنعتهن من المرور عبرها، ماجدة 30عاماً تقطن في مواصي خان يونس، تقول إنها لا تخرج منها إلا للضرورة القصوى بسبب الإجراءات التعسفية التي تمارسها قوات الاحتلال بحق السكان هناك حيث إنها تبقيهم عالقين في المدينة إن خرجوا من المواصي لمدة قد تزيد على 10 أيام، لذلك فهي تتجنب الخروج لتتجنب الألم والمعاناة خاصة أنها حامل لا تقوى على الانتظار الطويل، ولكن رغم حرصها فقد خرجت على غير موعد حين داهمتها آلام المخاض وهناك كانت جل المعاناة والعذاب، تقول: "إن الجنود رفضوا مرورها عبر الحاجز لأن الوقت كان متأخراً، إضافة إلى أن سيارة الإسعاف التي ستقلها إلى مستشفي ناصر بمدينة خان يونس غير منسق لها من قبل قوات الارتباط الفلسطيني" ، وتتابع بألم: "أعادونا تحت التهديد بالقتل وإطلاق الرصاص فعدنا لنطلب التنسيق وبعد محاولات حثيثة تم التنسيق"، وتضيف: "لم أصل إلى المستشفى في الوقت المناسب حيث أعاقت قوات الاحتلال مرور سيارة الإسعاف عدة مرات قالوا إننا يجب أن ننتظر الدور كباقي الناس لم يرحموا ضعفي وآلامي وأخيراً انتهي بي الألم ووضعت طفلي على أرضية سيارة الإسعاف بعد أن مكثت فيها ما يقارب السبع ساعات أنتظر المرور، تضحك ثم تقول لكي أظل أذكر معاناتي في الولادة أطلقت على طفلي اسم حاجز ليكون دليلاً على ألمي ومعاناتي.

تلك كانت قصة الطفل "حاجز" ولا تختلف عنها كثيراً قصة الطفل "معبر" الذي وضعته أمه منى الأسطل على أرضية معبر رفح حين علقت فيه وأربعة آلاف فلسطيني آخرين ما يقارب الشهر، منى قالت إنها آثرت تسمية طفلها "معبر" ليذكرها بمعاناتها على معبر رفح وتابعت: "أعرف أنه قد يكون الطفل الوحيد في فلسطين الذي يحمل اسم معبر ولكنه جميل.

هكذا هم الفلسطينيون يبتدعون كل شيء حتى تخليد الذكري ليس فقط بنقشها في الصدور ولكن بنسبها إلى أطفالهم، هم لا يخجلون من إعادة الأسماء والألقاب بل إنهم يتشرفون بها يفخرون لتسمية أولادهم بها لكي لا تنسى من الذاكرة كما نسيت من التاريخ.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
حاجز.. مَعْبَرْ.. الأسماء الفلسطينية سجل الأحداث اليومية بالأرض المحتلة!
-- الاء - فلسطين

27 - ربيع الآخر - 1426 هـ| 05 - يونيو - 2005




برافو عليهم والله انهم بسموا اطفالهم على اسماء بلادهم هي الناس اللي بتفهم هي الشعب اللي بفهم وبس

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...