لا تشغلي بالك !

عالم الأسرة » هي وهو
25 - شوال - 1424 هـ| 20 - ديسمبر - 2003


 

لا تشغلي بالك !

د . ريتشارد كارلسون*

   

ذات يوم كنت أقود سيارتي وأنا أستمع إلى أحد البرامج الإذاعية الحوارية التي تستقبل مكالمات المستمعين ، وفي أقل من نصف ساعة كان هناك ثلاثة مستمعين قد اتصلوا يشكون من بعض الأشياء التي فعلها شركاؤهم في الحياة، وفي حالة منهم كانت الشكوى من شيء لم تكن الزوجة متأكدة من حدوثه !! وفي المكالمات الثلاثة كانت نقطة الخلاف قد وقعت منذ سنة على الأقل !! فإحدى الزوجات كانت نقطة الخلاف أن زوجها ربما يكون قد أعجبته امرأة أخرى غيرها ، وقد كان هذا الموضوع يسيطر على تفكيرها، وبالتالي كانت تتساءل عما يمكنها أن تفعله إزاء هذا. وفي المكالمة الثانية شكت زوجة إنه منذ عدة أعوام حدثت فرقة عاطفية بينها وبين زوجها ولم يعد يعيرها انتباهه ، ومن ثم فهي تسأل لتعرف ما الذي جنته لتجد منه هذا ؟ وكانت الأفكار تأتي وتروح في ذهنها وكانت تقول عبارات مثل "قد يكون بسبب هذا أو ذاك" ؟؟

 

وفي النهاية اتصل أحد الأزواج ليعلن عن إحباطه من أن زوجته في عام زواجها الأول قد قامت بشراء أشياء باهظة الثمن مستخدمة البطاقة التأمينية ، مما جعله لا ينام الليل خوفاً من أن تكرر زوجته هذا السلوك في أي وقت وذلك على الرغم من أنها تبدو وقد كبحت جماح رغبتها واستفادت من هذا الموقف ، وقد ظل هذا الزوج على غضبه مما ارتكبته زوجته مما قد يضر بمستقبلها .

 

وهكذا شعرتُ كما لو أنني أريد أن أصرخ قائلا لكل منهم : "انسَ الأمر تماماً" ، ولكن هذه لم تكن النصيحة التي أسدتها الضيفة للمستمعين، بل على العكس أخذت هذه السيدة تشجعهم على الاستغراق في هذا الأمر وأن يحللوا الأحداث ونقاط الخلاف بينهم وبين شركاء حياتهم، كما شجعتهم على أن يملؤوا أذهانهم بالشكوك والمخاوف ودواعي القلق ، وكانت تقول أشياء مثل : "هل فكرت أن يكون هناك ثمة نمط سلوكي هنا؟" .

 

وقبل أن أسهب في حديثي دعوني أقرر حقيقة وهي أنني لست هنا بصدد الحديث عن إعجاب الزوج بشخصية أخرى غير زوجته ، أو عن ضعف مهارات الإنصات بين الزوجين ، أو عن الإفراط في الإنفاق .. فهذه العوامل من الممكن بل إنها بالفعل تؤدي إلى مشاكل بين الزوجين ، ومع هذا يبدو أن معظم الأشخاص يتجاهلون تماماً الأثر السلبي للتركيز على مثل هذه الأمور بما لا يعود عليهم بنفع ، ومدى ما لهذا من تأثير على علاقتنا الزوجية ، فنحن ننسى مدى التأثير السلبي الذي يكون عندما تعايش أناساً لا ينسون خلافاتهم ويتشبثون بأمور قديمة.  وندرك كم هو صعب أن نظل على حبنا لشخص يتوقع منا ما لا يمكننا وينسى أننا بشر نخطئ ونصيب.  وهناك مقولة قديمة لا تنطبق فقط على هذه الحالات الثلاث ولكن علينا جميعاً، وهي "ما كان قد كان" .

 

فالعلاقات الزوجية فيها ما يكفيها من التحديات ولا تحتاج إلى هذا العبء الإضافي الذي يتمثل في التشبث بالأمور الخلافية القديمة ، ومن المفيد أن نتذكر دائماً ما سيحدث لقدرتنا على الحب والتسامح عندما نذكر أنفسنا بشيء قد مضى ، فعندما يكون الذهن مشحوناً بالمخاوف والأشياء التي تذكرنا بأمور ومشاكل الماضي ، سنمتلئ بالخوف والشك والإحباط، وسنكون على استعداد لأي شيء آخر غير الحب، وسيمتد إحباطنا لنواح أخرى في الحياة وقد ينتهي بنا الأمر بأن نشغل أنفسنا بكل أنواع "الصغائر" !!

 

ونحن لا ندعوك هنا إلى أن تدفني رأسك في الرمال ، فالحقيقة التي لا اختلاف حولها أننا جميعاً نقع في أخطاء وليس منا من هو معصوم، وأننا على الأقل نخطئ في تقديرنا من حين لآخر. ولكي تأخذي طريقك وسط هذه الأمور فلا بد أن تعيشي في بيئة يسودها التسامح والود ، وبعبارة أخرى يمكن القول أنه حينما يقع شخص – تحبينه - في خطأ فإن أفضل تصرف تفعلينه أن تظلي على حبك ودعمك له ولا تجعلي من الخطأ حدثاً جللاً . وبهذا الشكل يظل رباط الحب بينكما سليماً ولا يشعر شريكك في الحياة بغضاضة في مناقشة الأمور الخلافية بينكما ، كما سيشعر بأن هناك من يدعمه في رحلة حياتكما.

 

ولذلك فإذا كنت ممن يشغلون أنفسهم بالماضي فقد يكون هذا هو الوقت المناسب لتدع عنك هذه الأمور. وبدلاً من أن تضمري مشاعر سلبية وتظلي على عنادك خذي قراراً بأن تكوني متسامحة وأن تنسي هذه الأمور وتنطلقي قدماً في حياتك ، فإذا فعلت هذا فستجدين في المقابل أن علاقتك الزوجية قد أصبحت أكثر ثراءً وأنها أُشربت المزيد من الصراحة والصدق والمزيد من الحب والمتعة .

       

*خبير في العلاقات الزوجية والأسرية



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...