الاستشارات الاجتماعية » قضايا بنات » البنات ومشكلات الأسرة


18 - جمادى الآخرة - 1426 هـ:: 25 - يوليو - 2005

لتظل (شعلة) التفاؤل متقدة في داخلك


السائلة:بنت الإسلام

الإستشارة:عبد العزيز بن عبد الله بن صالح المقبل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أنا فتاة مستقيمة ومن عائلة ملتزمة، لكن مشكلتي أبي فسمعته سيئة، فمستواه الديني سيئ، وقد سبق أن دخل السجن في مشكلة أخلاقية، فكل من في المنزل يخشى منه، ويتمنى موته، ومشكلتي أنه إضافة لمعاملته السيئة، وكونه لا ينفق علي فهو يرفض تزويجي، متحججاً بأني لاحقة على وجع القلب، وأن دراستي أهم، وأنه يخشى أن أطلق وأجلب أبنائي ليصرف عليهم!! أنا أعلم أن أعذاره سخيفة، وهي لا تتعدى كونها محاولة لتعطيل زواجي، أنا سكت في البداية وهو يصرف الخطاب مع قلتهم- بصراحة شين وقواة عين!! -،ذلك لأني أريد أن أتسلح بشهادة حتى لا أبقى ذليلة عند شخص لا يخاف الله كأمي.. الآن لم يتبق على تخرجي إلا سنة واحدة فقط، وأخشى أن يقوم بعضلي، ولا يستبعد من إنسان مثله.. فهل أنتظر حتى يصدر قراره في حياتي التي يملكها هو وحدة!! -على حسب اعتقاده- وأريد أن أطمأن هل هناك من الشباب الصالحين من يتقدم لفتاة والدها كوالدي؟ فهذا يحيرني، فالعنوسة والله أهون علي من أبقى عند شخص كأبي! بل لماذا أجهد نفسي وأنتقل من بيت رعب إلى بيت رعب! أمي لا تستطيع إقناعه.. سمعت أن هناك قرارا من سماحة المفتي بعقوبة العاضل، فلو تمدوني برقم التلفون أكون لكم شاكرة.. ماذا أفعل.. فالشكاية عند القاضي صعبة، فمن سيقبل بفتاة شكت أباها!! تراودني فكرة أن أبقى بلا زوج حتى يموت، فأنا لا أود لأبنائي أن يعرفوا حقيقة أبي.. أرجوكم لا تلوموني فما لاقيته في حياتي من صغري حتى العشرين أمر لا يطااااااق، ثم أني أشعر بالحرج من والدي جدا.. أشعر أن الكل يعلم بمصائبه، مع العلم أني فتاة مستورة، جميلة، وقد تفوقت في دراستي وأرغب في إكمال الدراسات العليا، لكن ليس في بيته كما يريد!! أرجو منكم النصيحة، والإجابة على السؤال الذي يؤرقني وهو: هل هناك أمل أن يتقدم لي الشخص الصالح الذي يخاف الله فيخفف عني مصابي في أبي وهو يعلم بحال والدي؟؟ الرجاء منكم ومن كل من يقرأ شكواي الدعاء لي بالهداية، والصلاح، والثبات، وبالزوج الصالح، وأرجوكم ادعوا لأبي بالهداية.. أعلم أن الله لن يخيب رجاء أمة ضعيفة، مقهورة، ذليلة، فأسأله الستر والعفاف عاجلا غير آجل.. فالله حسبي ونعم الوكيل.. فحسبي الله ونعم الوكيل. والسلام عليكم


الإجابة

الأخت الفاضلة: بنت الإسلام - السعودية، وفقها الله
بنتي الكريمة: طربت كثيراً وأنا أقرأ قولك: (العنوسة والله أهون علي من أبقى عند شخص كأبي! بل لماذا أجهد نفسي وأنتقل من بيت رعب إلى بيت رعب)!
لقد أسفت كثيراً وأنا أسمع شكاوى عدد من الفتيات.. تشير الواحدة منهن أنه لم يمض على زواجها سوى عام أو بضعة أشهر، وقد اكتشفت أن زوجها يمارس المعاكسة، أو أن له علاقات غير (نظيفة)، أو أنه يشرب الخمر، أو يتعاطى المخدرات، أو إنه سيئ الخلق بدرجة لا تحتمل، وربما أنه لا يملك نفسه من الاعتداء  بالضرب.
وحين أسمع مثل تلك الشكاوى أدرك مباشرة - كما اعتدت - أن الفتاة كانت تحاول التخلص من (لقب) عانس بأي (وسيلة).
ومن ثم تفرح أن يتقدم لها شخص أيّ شخص، وربما خشيت أو خشي أهلها، الذين يشاركونها التضايق من تأخر زواجها، وحينئذ قد يتعمدون ألا يسألوا عن الشخص المتقدم، ربما خوفاً من أن يعرفوا عنه سلوكاً يجعلهم يحجمون عن تزويجه!!.. وتتزوج الفتاة وسط فرح غامر منها ومن الأهل.. ولكن سريعاً ما تنقشع (غمامة) الفرح لتحل محلها (سحب) الكآبة والضيق، عند اكتشاف (حقيقة) الزوج، كما أسلفت الأمر الأكثر إزعاجاً أن ذلك الزوج، الذي يعرف (نفسه) أكثر مما يعرفه الآخرون، يدرك أنه حين يفرّط في تلك الزوجة ربما لم يجد من (ينخدع) به مرة أخرى فيزوجه، خاصة أن من يتقدم لهم من العقلاء سيسألون عن (سرّ) طلاقه.
وهل حقاً أنه هو الذي طلق، أم أنه – في الحقيقة – طُلِّق!؟!.. وهذا يدفعه إلى أن يستمسك بالزوجة، ويماطل في طلاقها.. وقد تصبر الزوجة – مع سوء الزوج – رجاء صلاحه، ثم حين تنجب عدداً من الأطفال يكون مخزون صبرها قد نفد، ولكنها تكون أمام مشكلة أخرى.. فتكون بين (سندان) الأولاد، و(مطرقة) سوء الزوج، وهو ما يجعلها (إسفنجة) للأمراض النفسية والعضوية.
وبقدر طربي لكلمتك السابقة ودلالتها إلا أني لم أرض لك قولك: أريد(أن أتسلح بشهادة حتى لا أبقى ذليلة عند شخص لا يخاف الله كأمي)، فالشهادة مع أهميتها يفترض ألا تكون وسيلة للدالة والتعالي على الزوج، لأن الزوجة العاقلة لن تسمح مهما كانت شهادتها أن ترتبط بإنسان ليس على مستوى المسؤولية اتكالاً! على أن شهادتها تؤهلها لطلب الطلاق متى أرادت.
بنتي الكريمة: أنت لم تتخرجي بعد، أي أنك لم تجاوزي العشرين إلا قليلاً، ويمثِّل لك التفكير بالمستقبل (أزمة) عنيفة. وتأتي عبارتك كالتالي: (الآن لم يتبق على تخرجي إلا سنة واحدة فقط، وأخشى أن يقوم بعضلي، ولا يستبعد من إنسان مثله.. فهل أنتظر حتى يصدر قراره في حياتي التي يملكها هو وحده!!)، فالمسألة مجرد (خشية) و (عدم استبعاد)!!.. وهذه العبارات لا تستقيم مع قولك من قبل: يرفض(تزويجي)، مع اعترافك أن عدد المتقدمين من الخطاب قليل!! ويبدو لي – بنتي الكريمة – أن والدك (وهو الذي وصفته بعدم الإنفاق عليك) لن يقف حجر عثرة أمام زواجك، وما ورد من قولك في رسالتك عن والدك: متحججا(بأني لاحقه على وجع القلب، وأن دراستي أهم، وأنه يخشى أن أتطلق وأجلب أبنائي ليصرف عليهم!!) لا يعدو أن يكون لوناً من المزاح.. لكن (حساسية) الموضوع بالنسبة لك تصور لك الموضوع! كما لو كان في (غاية) الجد!
ومما دفعك لذلك هو (ضخامة) التفكير بالمستقبل، مع قلة الخطاب، ولذا فأعتقد أن المشكلة الحقيقية لديك، والتي تؤرقك هي ما أسميته (السمعة السيئة لأبيك)، وخشيتك أن تقف (عائقاً) أمام من ينوي التقدم لك خاطباً، وربما إن ما يؤلمك أكثر تطلعك إلى زوج يتناسب مع (طموحاتك وإمكاناتك)، التي استحضرتها: بقولك مع (العلم أني فتاة مستورة، جميلة، وقد تفوقت في دراستي وأرغب في إكمال الدراسات العليا)! ومن هنا يأتي تخوفك (الشديد) – مع ما أشرت إليه من طموحات وإمكانات – أن يكون (انحراف) والدك (معوقاً)، وهو ما صرّحتِ به في قولك: (وأريد أن أطمأن هل هناك من الشباب الصالحين من يتقدم لفتاة والدها كوالدي؟ فهذا يحيرني)!!.. ويتكرر هذا التساؤل في رسالتك بصورة أكثر حزناً وأسى، حين تصفينه بـ(السؤال الذي يؤرقني)، فتقولين: (هل هناك أمل أن يتقدم لي الشخص الصالح الذي يخاف الله فيخفف عني مصابي في أبي وهو يعلم بحال والدي)؟؟
بنتي الكريمة: إن من المشكلات (المزمنة) لدينا عدم شعورنا بقدرتنا على إثبات ذواتنا بمفردنا، وشعورنا (الشديد) أن ما ينطوي عل يه إخواننا أو أقاربنا أو حتى والدينا من سلوكيات غير مناسبة ستلحقنا (معرته) ونقصه، ومن ثم نحرق أنفسنا بالتفكير، ونستشعر (العجز) الكبير.. ونظل نملي على أنفسنا رسائل (سلبية)، من المؤكد أنها تترك آثاراً نفسية ربما (مدمرة).. وربما كانت حالتك نموذجاً (حياً) لذلك!! فلاحظي قولك: (تراودني فكرة أن أبقى بلا زوج حتى يموت، فأنا لا أود لأبنائي أن يعرفوا حقيقة أبي)!!، وتقولي مرة أخرى: (ثم أني أشعر بالحرج من والدي جدا.. أشعر
أن الكل يعلم بمصائبه).. ألم يكن عمُّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كافراً، ومع ذلك رأيناه – صلى الله عليه وسلم - استفاد منه في دعوته، وحرص – جداً – على هدايته.. إن من أسوأ الأمور أن يكون (كلُّ) هدفنا ألا يعلم أبناؤنا عن وجود (انحراف) لدى والدنا، وأن نشعر بالحرج من عامة الناس، وكأن الذي يهمنا ليس هو ذات (الانحراف)، ولكن (رؤية) الناس! لنا من خلال معرفتهم بـ(انحراف) أحد من عائلتنا.. وذلك خلل كبير!
فنحن لا نحزن لوجود ذلك الانحراف، ولكننا نظل (متوجسين) أن يعلم به الناس.. ولو كان الأسى لوجود (الانحراف) لبعثنا هذا إلى التفكير (الجاد) لمحاصرة ذلك الانحراف، والبحث عن الوسائل (المؤثرة) في الشخص المنحرف، وحمله على الهداية. لكن حين يكون همنا منصباً على (خوفنا) من معرفة الناس وعلمهم نعيش هماً وقلقاً يظل يحفر داخل نفوسنا دون أن يكون بمقدورنا  وضع حدٍّ لذلك!
بنتي الكريمة: أفهم من رسالتك أن والدك هو الشخص (الوحيد المنحرف)، خاصة وقد وصفتِ عائلتك بأنها عائلة (ملتزمة).. وفرق بين ذلك وبين أن تكوني أنت الشخص (الوحيد المستقيم) فيها!! ولو كنت (النموذج) الثاني لكان (قلقك) مقبولاً نوعاً ما إن الأمور – بنتي الكريمة – بيد الله، وإذا أراد الله أمراً مضى دون أن يعوقه شيء، يقول – صلى الله عليه وسلم – لابن عباس – رضي الله عنه -: (واعلم أن الأمة لو (اجتمعت) على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو  (اجتمعوا) على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك).
 ولاحظي أنها (الأمة) وليس (أباك) وحده وربما تكونين – بنتي الكريمة - شعرتِ أنك بالغت في (تصوير) الحال، فإذا أنت تدفعين قارئ رسالتك لالتماس العذر، فتقولين: أرجوكم(لا تلوموني فما  لاقيته في حياتي من صغري حتى العشرين أمر لا يطااااااق)!
بنتي الكريمة: ما أروع قولك:. (أعلم أن الله لن يخيِّب رجاء أمة) (ضعيفة، مقهورة، ذليلة).. وهذا رائع جداً، لأنه يأتي بعد (سحب) اليأس التي (غطت) أجزاء كبيرة من مساحة رسالتك.. ما أروع حسن الظن بالله، إنه المصباح الوهاج في ظل (اشتداد) ليل المشكلات والعوائق.. يقول حبيبنا – صلى الله عليه وسلم -: (ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة).. تفاءلي وابتسمي، وثقي أن الذي يقرر مصيرك هو ربك وليس والدك، ولا تنسي أن قلوب: العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وأنه ما بين غمضة عين وانتباهتها يغير الله من حالٍ إلى حال.
بنتي الكريمة: انصرفي – في أجواء الأمل الباسم – إلى دراستك، واستعدي لمرحلة الزواج وما بعده بـ(ثقافة) جيدة، ولا يضق صدرك بقلة الخطاب، بل ربما قدم خاطب ثم انصرف بعدما تقدم، وتفاجأ الفتاة أن الله – سبحانه وتعالى – كان يخبئ لها خيراً، حين يتقدم لها من هو خير من الخاطب السابق، لتحمد الله على أن ذاك انسحب ولم ترتبط به.. إن أهم شيء يفترض أن يكون حاضراً  في نفسك هو الثقة بالله، وأن تظل (شعلة) التفاؤل (متقدة) في داخلك.
 كتب الله لك التوفيق، ورزقك الزوج الصالح الموافق.



زيارات الإستشارة:3382 | استشارات المستشار: 316