الاستشارات الاجتماعية » قضايا بنات » البنات ومشكلات الأسرة


19 - رمضان - 1429 هـ:: 20 - سبتمبر - 2008

مشكلتي أني أكره أختي!


السائلة:نور ا ا

الإستشارة:سميحة محمود غريب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. مشكلتي أنني أكره أختي كرها أعمى، فنحن 6 أخوات وهي تكبرني بسبع سنوات، أحيانا أشعر أنني أريد ضربها بشيء حاد و أريد قتلها، فلا أطيق العيش معها أبدا وأتهرب دائما من البيت كي لا أراها، أشعر بضيق كلما رأيتها أو حتى سمعت صوتها، وأتناقش دائما نقاشات حادة معها. هي تحاول ضربي و لكن أهلي يقفون بجانبي دائما لأنها هي المذنبة. لا أطيق العيش معها أبدا وأتمنى أن أتخلص منها. عندما لا تكون بالبيت أشعر دائما بالراحة و الاطمئنان وعندما تكون في المنزل أشعر دائما بالخوف منها و كأنها تريد ضربي على غفلة، لا أحبها أبدا، على العلم أنها أختي من نفس الأب و الأم.. ودائما وقت الدراسة أقضيه عند أقاربي لأن مجالي صعب و يحتاج إلى تركيز و ذهن صاف وهذا مالا أجده معها في نفس البيت..هذه أول مشكلة من مشاكلي...أتمنى من حضرة الدكتورة أن تجد حلا لي..


الإجابة

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا..أما بعد...إن المتأمل في حياة الحيوانات والحشرات يجدها تتعايش, بل إنها تتأقلم مع بعضها البعض.. و بعض الحيوانات تساعد بعضها, وبعض الطيور تساعد بعض الحيوانات.. مثلا هنالك أنواع من الطيور تساعد الفيلة وحيوان وحيد القرن في التخلص من الفطريات التي على جسده, وهنالك نوع من الأسماك يساعد سمك القرش ويسير معه ليدله على الاتجاهات.. و هنالك أنواع من الحمار الوحشي يعيش مع الغزلان والخيول البرية.. وأمثلة كثيرة ورائعة من التعاون والتعايش وتبادل المنفعة بكل حب وانسجام.... هذا في عالم الحيوان. أما في عالم البشر فقد أمر الإسلام المسلمين بالتآخي فيما بينهم وجعل من لوازم الإخاء: التعاون والتراحم و التناصر؛ إذ ما قيمة الأخوة إذا لم تعاون أخاك عند الحاجة، وتنصره عند الشدة، وترحمه عند الضعف؟. ولقد صور الرسول الكريم مبلغ التعاون والترابط بين أبناء المجتمع المسلم بعضه مع بعض هذا التصوير البليغ المعبر حين قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا" متفق عليه, وشبَّك بين أصابعه.   كما صور مبلغ تراحم المجتمع وتكامله، وتعاطف بعضه مع بعض بقوله: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر" رواه مسلم ؛ فهو ترابط عضوي، لا يستغني فيه جزء عن آخر، ولا ينفصل عنه، ولا يحيا بدونه، كما لا يستغني الجهاز التنفسي عن الجهاز الهضمي، أو كلاهما عن الجهاز الدموي أو العصبي، فكل جزء متمم للآخر، وبتعاون الأجزاء وتلاحمها يحيا الكل، ويستمر نماؤه وعطاؤه. والقرآن الكريم يوجب التعاون، ويأمر به ويجعل المؤمنين أولياء بعضهم على بعض بمقتضى عقد الإيمان، كما قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} التوبة: 71، كما وصف مجتمع الصحابة بأنهم: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} الفتح: 29؛ فالتراحم سمة أولى من سمات المجتمع المسلم. هذا بين أفراد المجتمع المسلم فكيف يكون الحال بين الأخوة الأشقاء والأخوات الشقيقات؟؟!! لاشك أن هذا الأمر سيكون أكثر قربا و التحاما, فالدم الواحد يجري في عروق الأشقاء وصلة الرحم تدفعهم لتمام الالتصاق والتقارب كما قال الله تعالى: {الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ} الأنفال: 75. وفي قصص القرآن صور حية للتعاون المثمر البناء بين الأخوة الأشقاء, كما الحال بين موسى وأخيه هارون، وقد سأل موسى الله أن يشد به أزره في قيامه برسالته: {وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا} طه: 29 - 35.وكان الجواب الإلهي: {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا} القصص: 35.ابنتي الكريمة... بعد هذا العرض عن قيمة الأخوة وحرص الإسلام عليها والتمسك بها ... عجبت كل العجب وأنا أقرأ رسالتك وأتمعن في مدى الكره الذي تبدينه تجاه شقيقتك, والذي يصل بك إلي التفكير في قتلها بحديده  كما تقولين , والذي لا أجد له مبررا علي الإطلاق , وأخذت أفتش بين سطور رسالتك حتى أجد سببا واحدا ولو تافها يدفعك إلى أن تلجئي إلينا لتفضفضين عن سوء تعامل أختك معك, فلم أجد أي سبب ولا أي مبرر أحاول أن أبني عليه ردي على شكواك!!!ابنتي العاقلة... لقد خلق الله – سبحانه وتعالى – الإنسان وجعله محبا للخير.. ومحبا لأبناء جنسه.. فلماذا الكره؟؟.. لا يوجد في أي شرع ولا دين سماوي ما يجعلنا  نكره أبناء جنسنا أو إخواننا في الدين.. بل أن الكره والعداء موجه دائما لأعدائنا في الدين..إن الإسلام أمرنا  بالتراحم والتحابب والتودد في صور كثيرة مع المسلمين، فكيف مع أخوات، وفي بيت واحد؟؟ لماذا لا نستطيع أن نعيش في جو من حب ومحبة وحسن ظن..؟؟ لماذا نجعل في قلوبنا الأحقاد والحسد والكره وهذه الأشياء التي هي من موروثات عدونا الأول إبليس عليه اللعنة .. لماذا لا نعيش نحترم بعض ونسمع أراء بعض ونتناقش في وجهاتنا.. وآرائنا ؟؟؟.. في الحقيقة إن أي شخص على دين يكره أخيه بدون سبب ويعاديه ويتمنى له الشر ويضمر له الحقد .. هو إنسان لم يستفد من دينه ولم يكتمل عنده الإيمان, وقد قال الرسول الكريم معلم البشرية : "  لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " رواه البخاري و مسلم.. وإذا تأملنا الحديث، لوجدنا أن تحقيق هذا الكمال الإيماني في النفس، يتطلب منها سموا في التعامل، ورفعة في الأخلاق مع الغير، انطلاقا من رغبتها في أن تُعامل بالمثل، وهذا يحتّم على صاحبها أن يصبر على أذى الناس، ويتغاضى عن هفواتهم، ويعفو عمن أساء إليه، وليس ذلك فحسب، بل إنه يشارك إخوانه في أفراحهم و أتراحهم، ويعود المريض منهم، ويواسي المحتاج، ويكفل اليتيم، ويعيل الأرملة، ولا يألو جهدا في تقديم صنائع المعروف للآخرين، ببشاشةِ وجه، وسعة قلب، وسلامة صدر. هذا مع المسلمين عموما, فكيف يكون الحال مع الأشقاء؟؟؟ لابد وأنه يحتاج إلى من يوعيه أو طبيب نفسي يشفيه.. بعد الله عز وجل.. ويحتاج للدعاء. فأي شرع أو أي دين هذا الذي يفرقنا ويجعنا نكره أخوتنا و نتمنى لهم الأذى والموت؟؟!!!! ابنتي الفاضلة... اسمحي لي أن أقول لك لا تستسلمي لهذه الأحاسيس التي تزيد من التفرقة بين الأخوات وتؤدي إلى البغض, وتخلصي من هذا الوهم الآن وفوراً، وافتحي مع أختك ومع نفسك أيضاً صفحة جديدة ملؤها التفاؤل والرغبة في التغيير نحو الأفضل، اطردي عن نفسك المشاعر السلبية وتعاملي مع ذاتك بشيء من التقدير والاحترام, فالقلب الذي يمتلأ بالكره هو بلا شك غير سوي وسيؤثر على باقي الجوارح, وإذا امتلأ بالحب والخير سينصلح تبعا له سائر الجوارح, و كوني موقنة في قرارة نفسك أنك لا تستحقين إلا أن تكوني على أفضل صورة لمخلوقات الله على الأرض في التسامح والعفو, وعلى أساس هذه القاعدة لابد أن يكون تعاملك مع نفسك وتعاملك مع أختك.  ابنتي الرشيدة... لنقل أنه قد تبادر إلى ذهنك أن أختك تسيء التعامل معك, أو أي شيء من هذا القبيل, ويغلب على ظني أن أختك ربما قد رأت منك ما يستوجب النصح والإرشاد, فهي أكبر منك بسبع سنوات, فقامت بهذا النصح لمصلحتك, أو قد رأت من تصرفاتك ما جعلها تتدخل لتصحيح ما قد تراه في نظرها غير مناسب, فإن كان ظني هذا صحيحا فتقبلي منها النصح, فهي أختك وحبيبتك وعونك وناصحتك, ولا تأخذك العزة فتصديها وتتكبري عليها, وإن كانت قد بدر منها أي إساءة لك,  ننصحك بالتغاضي عن أي تصرف من شأنه أن يعكر صفو العلاقة بينكما وإيجاد المبرر له, وحسن الظن بها والعفو عنها و مسامحتها, وبادري بالإحسان إليها , كما قال الله عز وجل: "" ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم"، فمن شأن هذه المعاملة أن تشعر أختك بالخجل إذا أساءت إليك و خاصة إذا أبديت لها كل المحبة والاحترام.. شاركيها في الحديث عن اهتماماتك, واطلبي منها أن تحكي معك عن اهتماماتها وأحلامها، وأسعديها بإحضار بعض الهدايا محل اهتمامها، فالهدية من شأنها تأليف القلوب كما قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم :"تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدر". أخرجه الترمذي وأكثري لها من الدعاء في حضرتها وفي غيبتها ولا تذكريها أمام أي أحد إلا بكل ود واحترام.وفي الختام... أدعو الله – سبحانه وتعالي - أن يمنّ عليك بالهداية والثبات، ويعينك على التخلص من كل ما ينقص إيمانك، أو يحبط أعمالك, وأن يؤلف بينك وبين أختك... اللهم آمين.



زيارات الإستشارة:4920 | استشارات المستشار: 481